Print this page

الطاقة النووية في تونس والعرض الروسي: من حلم البشير التركي إلى ضرورة استعادة السيادة الطاقية 

لم يعد مقبولا أن تظل تونس أسيرة أزمة طاقية

تتفاقم عاما بعد عام، وأسيرة لتزايد حاجيات الاقتصاد إلى الكهرباء، وتراجع الموارد الوطنية من النفط والغاز، دون أن تتحول الخيارات الاستراتيجية الكبرى إلى مشاريع وطنية متكاملة. وليس من المعقول أن يستمر النقاش حول مستقبل الطاقة في بلادنا محصورا بين البحث عن مزيد من الغاز، واستيراد المحروقات، والتعويل على الطاقات المتجددة وحدها، وكأن الطاقة النووية السلمية ليست خيارا يستحق الدراسة الجدية، أو كأن تونس تفتقر إلى تاريخ علمي وتجارب سابقة تسمح لها بإعادة النظر في هذا المجال من موقع المعرفة والمصلحة الوطنية.

لقد أعاد التصريح الروسي الأخير هذا الملف إلى الواجهة، بعدما أعلن مكسيم أورشكين، نائب رئيس الإدارة الرئاسية الروسية، يوم 26 أكتوبر 2026، استعداد موسكو للتفاوض مع تونس بشأن مشاريع تعاون مختلفة، مع إبداء انفتاح خاص على المقترحات التونسية في مجال الطاقة، والإشارة إلى الطاقة النووية للأغراض السلمية باعتبارها أحد مجالات التعاون الممكنة مع البلدان الإفريقية. ولا يعني هذا التصريح أن اتفاقا تونسيا روسيا قد أُبرم لبناء محطة نووية، لكنه يضع أمام تونس فرصة جديدة لطرح الأسئلة التي تأخرنا طويلا في الإجابة عنها، هل نملك رؤية واضحة لمستقبل أمننا الطاقي؟ وهل نحن مستعدون للاستفادة من عروض التعاون الدولي وفق شروط تحمي مصالحنا وتخدم استقلال قرارنا الاقتصادي؟

إن أهمية هذا التطور لا تكمن في الطرف الذي صدر عنه العرض فحسب، بل في أنه يعيد التذكير بأن الخيارات الإستراتيجية لا ينبغي أن تُبنى على ردود الفعل الظرفية، وإنما على رؤية وطنية طويلة المدى، تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة وتضع مصلحة تونس فوق كل اعتبار. فالتعاون مع روسيا، أو فرنسا، أو الصين، أو غيرها من الدول التي تمتلك الخبرة النووية، ينبغي أن يُقاس بما يمكن أن يحققه من نقل للتكنولوجيا، وتكوين للكفاءات التونسية، وتحسين لأمن الإمدادات، وتخفيض للكلفة على المدى الطويل، لا بمجرد الانتماء إلى هذا المحور الدولي أو ذاك.

من معهد تونس قرطاج إلى مشاريع بن علي: كيف أضعنا عقودا من الزمن؟

إن العودة إلى تاريخ البرنامج النووي التونسي تكشف أن التفكير في استخدام الذرة للأغراض السلمية ليس فكرة مستوردة ظهرت اليوم، ولا اقتراحا فرضته الأزمة الراهنة، بل هو امتداد لمسار علمي وطني انطلق منذ السنوات الأولى للاستقلال. فقد انضمت تونس إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية سنة 1957، وأحدثت سنة 1959 هيئة مختصة بالطاقة الذرية، قبل أن يتولى العالم التونسي البشير التركي تطوير تصورات أكثر طموحا بشأن توظيف التكنولوجيا النووية في خدمة التنمية.

وكان البشير التركي من أبرز العلماء التونسيين الذين آمنوا بأن استقلال البلاد لا ينبغي أن يقتصر على رفع العلم الوطني وإدارة المؤسسات السياسية، بل يجب أن يمتد إلى امتلاك المعرفة العلمية والتكنولوجيا الحديثة. وقد ارتبط اسمه بتأسيس مركز تونس قرطاج للبحوث الذرية، وبمشروع طموح طُرح في ستينات القرن الماضي لإنشاء منشأة نووية في الجنوب التونسي تجمع بين إنتاج الكهرباء وتحلية مياه البحر، بما يتيح معالجة مشكلتين استراتيجيتين في آن واحد، محدودية الموارد الطاقية والحاجة المتزايدة إلى المياه العذبة في المناطق الجافة.

ولم يكن ذلك مجرد خيال علمي أو حديثا عابرا عن مستقبل بعيد، بل كان تصورا تنمويا يعكس إدراكا مبكرا للعلاقة بين الطاقة والمياه والصناعة. ففي البلدان التي تعاني شح الموارد المائية ومحدودية مصادر الطاقة التقليدية، يمكن للتكنولوجيا النووية، متى توفرت الشروط الفنية والاقتصادية والبيئية الملائمة، أن تؤدي دورا في إنتاج الكهرباء وتحلية المياه، فضلا عن تطبيقاتها في الطب والزراعة والصناعة والبحث العلمي.

لكن المشروع النووي التونسي المبكر لم يتحول إلى برنامج لإنتاج الكهرباء، وانتهى ذلك المسار إلى التعثر مع توقف الإطار المؤسسي الذي احتضن الأبحاث النووية في أواخر الستينات. وتورد كتابات صحفية وبحثية تونسية أن الهيئة المعنية بالطاقة الذرية أُلغيت سنة 1969، في وقت كانت فيه البلاد قادرة على مواصلة بناء خبراتها وتطوير شراكاتها العلمية.

ولم ينته التفكير في الطاقة النووية عند تلك المرحلة، حيث عاد الخيار في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، إلى النقاش الرسمي، وأُعلن سنة 2006 التوجه نحو دراسة إمكانية إنتاج الكهرباء بالطاقة النووية، مع تكليف الشركة التونسية للكهرباء والغاز، بالتعاون مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بإجراء الدراسات الفنية والاقتصادية اللازمة. وقد تناولت الخطط المعلنة آنذاك إمكانية إدخال الطاقة النووية إلى المنظومة الكهربائية التونسية، في إطار أهداف مرتبطة بتنويع مصادر الطاقة وتقليص التبعية للمحروقات، ووُضع أفق زمني كان يستهدف سنة 2030 في الدراسات التي أُطلقت في نوفمبر من تلك السنة. كما أعلن بن علي سنة 2006 تطلع تونس إلى محطة بقدرة تتراوح بين 800 و900 ميغاواط في أفق 2020، وفق ما نقلته تقارير صحفية عن التصريحات الرسمية في ذلك الوقت.

وفي سنة 2008، تعزز هذا التوجه بإعلان تعاون تونسي فرنسي في مجال الاستخدامات المدنية للطاقة النووية، شمل مجالات التكوين والبحث والبنية التحتية والسلامة والتشريعات، مع فتح الطريق أمام دراسة جدوى إنشاء محطة نووية لإنتاج الكهرباء. ثم شهدت سنة 2015 توقيع تونس وروسيا مذكرة تفاهم بشأن الاستخدام السلمي للطاقة النووية، تضمنت مجالات البحث والتطوير وتصميم المفاعلات وبنائها وتشغيلها، إلى جانب تكوين المختصين واستخدام النظائر المشعة في الطب والصناعة والزراعة.

إن الإشكال ليس في أن مشروعا نوويا لم يُنجز في موعده فحسب، بل في غياب الاستمرارية الاستراتيجية وفي ضعف القدرة على تحويل المبادرات العلمية والاتفاقيات الدولية إلى خيارات وطنية مستقرة. فالدول التي تخطط لمستقبلها لا تبدأ من الصفر مع كل مرحلة سياسية، ولا تسمح بأن تضيع الدراسات والخبرات المتراكمة بمجرد تغير المسؤولين، وإنما تراجع المشاريع وتطورها أو تتخلى عنها بناء على معطيات علمية واقتصادية واضحة، مع تقديم تفسير للرأي العام.

السيادة الطاقية.. لماذا ينبغي أن نعيد فتح الملف اليوم؟

إن الوضع الطاقي الحالي يجعل إعادة فتح هذا الملف ضرورة استراتيجية لا تحتمل مزيدا من التأجيل. فقد أظهرت بيانات ميزان الطاقة لسنة 2025 أن نسبة الاستقلالية الطاقية في تونس تراجعت إلى نحو 35 بالمائة عند احتساب الإتاوة المرتبطة بعبور الغاز الجزائري، وإلى نحو 27 بالمائة دون احتسابها، فيما بلغ عجز الميزان الطاقي 6.3 ملايين طن مكافئ نفط. وتؤكد هذه المؤشرات أن البلاد تواجه اختلالا هيكليا بين مواردها المحلية واستهلاكها المتزايد للطاقة، بما ينعكس على فاتورة التوريد والمالية العمومية وقدرة الاقتصاد على توفير احتياجاته.

ولا يمكن معالجة هذا الوضع بالاكتفاء بإدارة الأزمة من سنة إلى أخرى، أو انتظار اكتشافات جديدة من النفط والغاز قد لا تكون كافية لتغيير المعادلة. كما أن تطوير الطاقة الشمسية والرياح يمثل خيارا ضروريا ينبغي تسريعه، لكنه يحتاج بدوره إلى حلول متكاملة لضمان استقرار الشبكة الكهربائية وتوفير الطاقة عند تغير الظروف المناخية، وإلى استثمارات في التخزين والربط الكهربائي وتحسين النجاعة الطاقية. ومن ثم، فإن المطلوب ليس وضع الطاقة النووية في مواجهة الطاقات المتجددة، بل دراسة مزيج طاقي متوازن يراعي خصوصيات تونس وحاجاتها وتكاليف الخيارات المتاحة.

وتتميز الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء بأنها قادرة، عند تشغيل المنشآت وفق المعايير المطلوبة، على توفير إنتاج مستقر على مدار الساعة مع انبعاثات مباشرة منخفضة من الغازات الدفيئة. كما أن كلفة الوقود تمثل عادة جزءا من كلفة إنتاج الكهرباء النووية مقارنة ببعض مصادر التوليد الأخرى، وإن كانت كلفة بناء المحطة وتمويلها وتأمينها وصيانتها وإدارة نفاياتها تظل اعتبارات أساسية قد تحدد جدوى المشروع من أساسه. ولهذا لا يجوز تقديم الطاقة النووية باعتبارها حلا سحريا، وإنما باعتبارها خيارا استراتيجيا ينبغي إخضاعه لدراسة مستقلة وشفافة تقارن بين كلفة دورة الحياة الكاملة للمحطة وبين البدائل الأخرى.

ولعل ما يجعل الخيار جديرا بالبحث في تونس هو إمكانية الجمع بين إنتاج الكهرباء وتحلية مياه البحر، في إطار منظومة تخطيطية متكاملة تراعي حاجيات المناطق الساحلية والداخلية، وتربط التنمية الصناعية بالأمن المائي والطاقي. فالمياه والطاقة أصبحتا عنصرين متداخلين في مستقبل البلاد، ولا سيما في ظل التغيرات المناخية وتزايد الضغط على الموارد المائية. وإذا كان مشروع البشير التركي قد طرح هذه العلاقة منذ ستينات القرن الماضي، فإن من حق تونس اليوم أن تعيد دراسة الفكرة باستخدام التكنولوجيا الحديثة، بعيدا عن التقديس العاطفي للماضي أو رفضه دون تقييم علمي.

وفي هذا الإطار، لا ينبغي أن يُفهم الانفتاح على روسيا باعتباره قرارا مسبقا باختيار التكنولوجيا الروسية، بل فرصة لإطلاق مفاوضات جادة تقارن العروض المتاحة من مختلف الشركاء، وتحدد شروط التمويل ونقل المعرفة وتكوين المهندسين والفنيين، ومدى مشاركة المؤسسات التونسية في تنفيذ المشروع. فالتعاون الدولي الناجح ليس مجرد شراء محطة جاهزة، بل بناء قدرة وطنية على التنظيم والتشغيل والصيانة والرقابة، بما يضمن أن لا يتحول المشروع إلى تبعية تقنية ومالية جديدة.

إن الخطوة الأولى المطلوبة اليوم هي تشكيل فريق وطني مستقل يضم المختصين في الطاقة والهندسة والاقتصاد والقانون والبيئة والمالية، تكون مهمته مراجعة الدراسات السابقة، وتقييم الوضع الحالي، وإعداد دراسة جدوى حديثة تتضمن بدائل المفاعلات التقليدية والمفاعلات الصغيرة المعيارية، إلى جانب سيناريوهات تطوير الطاقات المتجددة والتخزين والربط الكهربائي. وينبغي أن تُعرض نتائج هذه الدراسة على الرأي العام، مع تحديد الكلفة والآجال والمخاطر ومصادر التمويل، حتى يكون القرار مبنيا على حقائق لا على الشعارات.

كما ينبغي أن لا تنحصر المفاوضات مع الشركاء الدوليين في روسيا وحدها، بل أن تشمل كل الأطراف القادرة على توفير تكنولوجيا آمنة وشروط اقتصادية مناسبة، مع احترام التزامات تونس الدولية في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية. فالمعيار ليس جنسية الشريك، بل ما يقدمه من قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، وما يضمنه من شفافية ونقل للمعرفة واستقلالية في القرار.

إن تونس لا تحتاج إلى إعلان جديد عن نياتها النووية بقدر ما تحتاج إلى قرار مؤسسي يضع حدا لتكرار البدايات المؤجلة. فقد مر أكثر من نصف قرن منذ مشروع البشير التركي، واقترب الأفق الزمني الذي حُدد في عهد بن علي من نهايته من دون أن تصبح الطاقة النووية جزءا من المنظومة الكهربائية الوطنية. وبين المرحلتين ضاعت فرص لتراكم الخبرات، وتأجلت أسئلة الأمن الطاقي، وبقيت البلاد معرضة لتقلبات الأسواق الخارجية ولتراجع مواردها التقليدية.

والدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه من هذا التاريخ هو أن السيادة لا تتحقق بمجرد امتلاك الموارد، بل بالقدرة على التخطيط واستثمار العلم والتكنولوجيا، وتنويع مصادر الطاقة، وضمان استمرارية السياسات الوطنية. وإذا كان العرض الروسي الأخير قد أعاد فتح نافذة للنقاش، فإن مسؤولية تونس تتمثل في تحويل هذه اللحظة إلى فرصة لبناء استراتيجية طويلة المدى، لا إلى مناسبة أخرى تنتهي بالتصريحات والاتفاقات الأولية ثم تعود إلى رفوف النسيان.

إن الفرص التي تضيعها الدول في مجال الطاقة لا تُقاس بالسنوات وحدها، بل بما تخسره من استقلال القرار وقدرة الاقتصاد على النمو. وقد آن لتونس أن تتوقف عن تأجيل المستقبل، وأن تجعل من العلم والتخطيط والسيادة الطاقية ركائز فعلية لمشروعها التنموي.

المشاركة في هذا المقال